الثلاثاء، 8 سبتمبر 2026

ماذا لو توقفت الصين عن إقراض أمريكا؟ الإجابة في رسم بياني واحد ..

من 14% إلى 2% .. انسحاب صينى هادئ من الدين الأمريكي


القاهرة – أ.ق.ت – فادى لبيب : رسم بياني واحد يلخص أكثر من عشرين عامًا من التحولات الجيوسياسية والمالية بين أكبر اقتصادين في العالم. فبعدما كانت الصين تملك ما يقارب 14% من إجمالي سندات الخزانة الأمريكية المتداولة في ذروة عام 2011 ...

تراجعت حصتها الرسمية إلى أقل من 2% فقط بحلول عام 2026، في واحدة من أبطأ عمليات "فك الارتباط" المالي وأكثرها ثباتًا في التاريخ الاقتصادي الحديث.


قصة الخط الأخضر: من الصعود الصاروخي إلى الانحدار المتواصل

يوضح الرسم البياني الصادر عن "إل إس إي جي داتاستريم" مسارًا شبه جبلي: بداية متواضعة عند نحو 1.5% في أواخر التسعينيات، ثم تسلق حاد ومتسارع مع انضمام الصين لمنظمة التجارة العالمية وتضخم فائضها التجاري مع واشنطن، ليصل إلى قمته التاريخية بالقرب من 14% خلال الفترة الممتدة بين 2009 و2011، في ذروة اعتماد بكين على أذون الخزانة الأمريكية كوجهة آمنة لفوائض تجارتها الضخمة.


لكن منذ تلك القمة، انعكس الاتجاه تمامًا. فقد دخلت الحصة الصينية في مسار هبوطي شبه متواصل لأكثر من 14 عامًا متتالية، متجاوزة مستوى 10% في 2013، ثم 8% في 2016، ثم 6% في 2020، لتصل أخيرًا إلى محيط 2% فقط في أحدث بيانات 2026، وهو أدنى مستوى تسجله الصين منذ ما يقرب من 25 عامًا.


محطات رئيسية في تراجع الحيازات الصينية

الذروة التاريخية: نحو 14% من إجمالي السندات الأمريكية المتداولة (2011)

القيمة الدولارية للذروة: أكثر من 1.3 تريليون دولار (نوفمبر 2013)

الحصة الحالية: نحو 2% فقط من إجمالي السندات المتداولة (2026)

القيمة الدولارية الحالية: نحو 633 مليار دولار (يونيو 2026)، مقارنة بأكثر من 1.2 تريليون دولار قبل عقد واحد

الترتيب الحالي: الصين لم تعد أكبر دائن أجنبي لواشنطن، وتراجعت للمركز الثالث خلف اليابان والمملكة المتحدة

لماذا تنسحب بكين بهذا الهدوء؟

لا يعكس هذا التراجع عملية بيع مفاجئة أو "تفريغًا" دراماتيكيًا كما يُشاع أحيانًا، بل هو أقرب لاستراتيجية تدريجية ممتدة عبر أكثر من عقد، تهدف من خلالها الصين إلى تنويع احتياطياتها من النقد الأجنبي بعيدًا عن الأصول المقومة بالدولار، وسط توترات جيوسياسية متصاعدة مع واشنطن ومخاوف من استخدام الدولار كأداة ضغط سياسي. وقد رافق هذا التوجه تكثيف واضح في شراء الذهب، حيث واصل البنك المركزي الصيني سلسلة شراء متتالية امتدت لأكثر من 17 شهرًا حتى مطلع 2026، ليصل احتياطيه الذهبي الرسمي إلى ما يقارب 2313 طنًا.


وتشير تقارير متخصصة إلى أن الجهات التنظيمية الصينية وجّهت البنوك المحلية بالفعل إلى تقليص تعرضها لسندات الخزانة الأمريكية بحجة "مخاطر التركز وتقلبات السوق"، وهو ما يعزز فرضية أن الأرقام الرسمية قد لا تعكس كامل الصورة، إذ يرى محللون أن الصين تحتفظ بجزء من استثماراتها في الدين الأمريكي عبر وسطاء ومراكز مالية مثل بلجيكا ولوكسمبورغ، بما لا يظهر مباشرة تحت اسمها في بيانات الخزانة الأمريكية.


اليابان: بيع اضطراري لا استراتيجي لإنقاذ الين

على النقيض من الانسحاب الصيني الهادئ والمخطط له، تجد اليابان -أكبر دائن أجنبي لواشنطن حاليًا- نفسها مضطرة للتخلي عن جزء من محفظتها الضخمة من السندات الأمريكية، لكن لسبب مختلف تمامًا: الدفاع عن عملتها الوطنية المنهارة. فبحسب بيانات وزارة المالية اليابانية، تراجعت حيازات طوكيو من الأوراق المالية الأجنبية بنحو 87.8 مليار دولار خلال أغسطس وحده، في أكبر انخفاض شهري تسجله البلاد على الإطلاق.


ويأتي هذا التراجع الحاد بعدما أنفقت السلطات اليابانية ما يعادل 15.4 تريليون ين (نحو 98.6 مليار دولار) في عملية تدخل قياسية لشراء الين ودعمه بعد تهاويه إلى مستويات لم يشهدها منذ 40 عامًا، قاربت 164 ينًا مقابل الدولار الواحد، قبل أن تنجح التدخلات في انتشاله جزئيًا إلى مستويات قريبة من 155-156 ينًا. واللافت أن هذه العملية شهدت للمرة الأولى منذ عام 2011 تدخلًا أمريكيًا مباشرًا ومنسقًا إلى جانب طوكيو، حيث تدخل الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك لدعم الجهود، في إشارة إلى قلق مشترك بين البلدين من استقرار سوق الصرف الأجنبي.


الفارق الجوهري بين الحالتين: بيع الصين تراجع بنيوي وممنهج يمتد لأكثر من عقد بدافع التنويع الاستراتيجي وتقليل الاعتماد على الدولار، بينما بيع اليابان اضطراري وظرفي بدافع الدفاع الفوري عن سعر صرف عملتها، رغم أن كلا المسارين يصب في نهاية المطاف في اتجاه واحد: تراجع نسبي في اعتماد كبار الدائنين الآسيويين على سندات الخزانة الأمريكية.

ما الذي يعنيه ذلك لسوق الدين الأمريكي؟

رغم انسحاب أكبر دائنين آسيويين تدريجيًا أو اضطراريًا، فإن إجمالي الحيازات الأجنبية من سندات الخزانة الأمريكية لا يزال يسجل أرقامًا قياسية، متجاوزًا 9.4 تريليون دولار، مدفوعًا بزيادة إقبال دول أخرى مثل المملكة المتحدة. وهو ما يفسر - بحسب محللين في وكالة "بلومبرغ" - سبب استمرار سوق الدين الأمريكي في العمل بسلاسة نسبية حتى الآن رغم تراجع الثقل الصيني الياباني التقليدي، لكن المخاوف الحقيقية تبقى بعيدة المدى: فإذا قررت حلفاء تقليديون آخرون لواشنطن، مثل دول أوروبا، أن يحذوا حذو بكين في تنويع احتياطياتهم بعيدًا عن الدولار، فإن الضغط التصاعدي على عوائد السندات وتكلفة اقتراض الحكومة الأمريكية قد يصبح تحديًا أصعب على المدى الطويل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Indice technologique Nasdaq | مؤشر ناسداك تكنولوجيى