القاهرة – أ.ق.ت – فادى لبيب : في أول ظهور كبير له أمام المجتمع النقدي الدولي، اختار رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الجديد، كيفن وارش، منتدى جاكسون هول السنوي ليعلن عن ملامح مرحلة جديدة في إدارة السياسة النقدية الأمريكية، متعهدا بالتخلي التدريجي عن أسلوب "التوجيه المسبق" الذي هيمن على خطاب البنك المركزي منذ الأزمة المالية العالمية ... في مقابل اعتماد أكبر على قراءة إشارات السوق مباشرة. جاء ذلك في كلمة ألقاها وارش، الذي يحتفل بمرور 100 يوم على توليه رئاسة الفيدرالي، خلال فعاليات الندوة الاقتصادية التي ينظمها بنك الاحتياطي الفيدرالي بمدينة كانساس سيتي، تحت عنوان "الابتكار المالي وتداعياته على المدفوعات والسياسات".
ما أبرز ما جاء في كلمة كيفن وارش؟
تضمنت الكلمة أربعة محاور رئيسية: مستقبل الذكاء الاصطناعي وتأثيره على الاقتصاد الأمريكي، إعادة تعريف مفهوم "التوجيه المسبق" في التواصل مع الأسواق، مجموعة من المبادئ الحاكمة لصنع القرار النقدي، وأخيرا تقييم شامل لحالة الاقتصاد الأمريكي الراهنة من زاويتي النمو والتضخم.
الذكاء الاصطناعي
.. المتغير الجديد في معادلة الفيدرالي
أقر وارش بأن وتيرة تطور الذكاء الاصطناعي فاقت توقعات المتحمسين له قبل عامين فقط، واصفا اللحظة الحالية بأنها "نقطة تحول تاريخية" بعد سنوات من الحديث عن "الركود المزمن" وتخمة الادخار العالمي. ولفت إلى أن حجم مبيعات "التوكنز" (وحدات الاستخدام) لدى أكبر معملين لنماذج الذكاء الاصطناعي وحدهما تجاوز، على أساس سنوي، 100 مليار دولار، بزيادة تفوق 500% خلال عام واحد فقط.
ووصف الذكاء الاصطناعي بأنه "عامل إنتاج جديد محتمل" يفرض على الفيدرالي طرح أسئلة جوهرية لم تكن مطروحة من قبل، أبرزها:
- هل سيحدث الذكاء الاصطناعي ارتفاعا مستداما وواسعا في الإنتاجية؟ ومتى؟
- هل سيكون استخدام "التوكنز" مكملا للعمالة البشرية أم منافسا لها؟
- من سيستحوذ على الجزء الأكبر من العوائد .. معامل الذكاء الاصطناعي، مصنعو الرقائق، منتجو الطاقة، ومزودو الحوسبة السحابية، أم الشركات والمستهلكون على المدى الأبعد؟
- كيف سيستقر سعر "التوكن" في السوق، وهل ستتباين الأسعار بين النماذج المتقدمة والنماذج الأقدم؟
وأعلن وارش أن الفيدرالي شكل فريق عمل متخصصا لدراسة أثر الذكاء الاصطناعي على الإنتاجية وسوق العمل، مؤكدا أن توصيات هذا الفريق - ونظرائه الأربعة الآخرين - لن تنعكس على قرارات السياسة النقدية الحالية، لكنها استثمار فكري لتحسين جاهزية البنك المركزي لتحديات المستقبل.
لماذا يريد وارش التخلص من "التوجيه المسبق"؟
"التوجيه المسبق" (Forward Guidance) هو الأسلوب الذي اعتمده الفيدرالي منذ أزمة 2008 للإعلان مسبقا عن مساره المتوقع لأسعار الفائدة، بهدف طمأنة الأسواق. لكن وارش يرى أن هذه الأداة "تجاوزت الغرض منها"، محذرا من أنها قد تخلق "غموضا باسم الوضوح"، وقد تدفع الأسواق والشركات والأسر نحو قرارات خاطئة حين يفرط البنك المركزي في مشاركة مداولاته الداخلية أو الالتزام بمسارات مستقبلية للفائدة.
واستشهد وارش بما وصفه بـ"مشكلة قاعة المرايا": حين تعتمد الأسواق بشكل مفرط على توجيهات الفيدرالي، ويعتمد الفيدرالي بدوره على أسعار السوق لقراءة الاقتصاد، تتضاعف احتمالات وقوع أخطاء في السياسة النقدية والانجراف بعيدا عن قراءة التطورات الحقيقية.
ولفت إلى أن التوجيه المسبق في عام 2021 قد يكون أسهم فعليا في تأخر استجابة الفيدرالي لموجة التضخم المرتفع آنذاك.
البديل الذي يطرحه وارش هو اعتماد أكبر على "الإشارات الخام" القادمة من الأسواق نفسها: حركة الأصول عبر القطاعات، أسعار وأحجام تداول سندات الخزانة، سعر صرف الدولار، تكلفة الائتمان ومدى توافره، وأسعار السلع الأساسية. في المقابل، يدعو المتعاملين في الأسواق إلى الاعتماد على قراءتهم المستقلة للاقتصاد بدلا من انتظار "الإشارة" القادمة من الفيدرالي.
سبعة مبادئ تحكم تفكير وارش في السياسة النقدية
عرض الرئيس الجديد للفيدرالي مجموعة مبادئ يستند إليها في صياغة القرارات، يمكن تبسيطها كالتالي:
- الحذر من البيانات القديمة: عدم الخلط بين "أخبار الأمس" و"واقع اليوم"، والاعتماد على الاتجاهات العامة لا البيانات المنفردة.
- صعوبة قياس جانب العرض: الفيدرالي يرى النشاط الاقتصادي فقط، ولا يمكنه رصد جانب العرض في الاقتصاد بشكل مباشر، ما يجعل تقدير التوازن بين العرض والطلب أمرا تقريبيا وليس دقيقا.
- هدف التضخم عند 2% ثابت لا يتغير، ولا يعتبره وارش قابلا للتفاوض، مؤكدا أن الاستقرار السعري "ليس تلقائيا" ولا يتحقق من تلقاء نفسه.
- لا تعارض بين شقي "التفويض المزدوج" الخاصين بالتضخم والتوظيف؛ فالتضخم المرتفع نفسه يضر بالرخاء الاقتصادي على المدى الطويل.
- سعر الفائدة قصير الأجل هو الأداة الرئيسية، بينما ينبغي أن تظل السياسات غير التقليدية (مثل التيسير الكمي) حكرا على الأزمات الحقيقية فقط.
- عرض النقود لا يزال مهما رغم تراجع شعبية هذا الرأي في الأوساط الأكاديمية، ويدعو لمتابعة النقود الصادرة عن البنك المركزي والنظام المصرفي معا.
- فيدرالي أكثر هدوءا في تواصله أقدر على تحقيق أهدافه، والمحاسبة الحقيقية تكون على النتائج لا على التصريحات.
كيف يقرأ وارش حالة الاقتصاد الأمريكي الآن؟
يرى وارش أن الاقتصاد الأمريكي "أظهر مرونة لافتة" في مواجهة الصدمات، مستشهدا بمجموعة مؤشرات إيجابية على صعيد النمو، مقابل قلق مستمر من جبهة التضخم. الجدول التالي يلخص أبرز الأرقام التي استعرضها في كلمته:
| المؤشر | القراءة الحالية |
|---|---|
| نمو الإنفاق الرأسمالي للشركات (على أساس سنوي) | نحو 9% - الأعلى منذ 2021 |
| نصيب استثمارات الذكاء الاصطناعي من نمو الإنفاق الرأسمالي | أكثر من النصف |
| نمو أرباح شركات S&P 500 خلال العام الماضي | أكثر من 20% |
| نمو الإنفاق الاستهلاكي الحقيقي (4 أرباع) | أكثر من 2% |
| نمو "المشتريات النهائية المحلية الخاصة" (PDFP) | نحو 3% خلال العام الحالي |
| معدل البطالة | 4.1% |
| التضخم وفق مؤشر PCE (على أساس سنوي) | 3.7% |
| التضخم وفق مؤشر PCE (آخر 6 أشهر) | 4.1% |
لماذا لا يزال التضخم يمثل التحدي الأكبر؟
رغم تحسن أرقام التضخم بشكل طفيف عن التوقعات هذا الصيف، شدد وارش على أن ذلك "لا يعني تحسنا جوهريا في الاتجاه العام للأسعار". واستند في تحليله إلى تفكيك مكونات مؤشر PCE البالغة 199 بندا، موضحا أن 54% من هذه البنود شهدت خلال العام الماضي ارتفاعات أسعار تفوق 3%، وهي نسبة أقل كثيرا من ذروة ما بعد الجائحة (77%)، لكنها لا تزال أعلى بكثير من المعدل الطبيعي قبل الجائحة والذي كان عند 32% فقط. وعلى مستوى الأشهر الستة الأخيرة، بلغت هذه النسبة 49%.
وفي المقابل، أشار وارش إلى أن توقعات التضخم على المدى المتوسط لا تزال "مستقرة ومرساة بشكل جيد"، وهو ما تؤكده أيضا مؤشرات التعويض عن التضخم في سوق المقايضات، معتبرا ذلك "شهادة ثقة" في قدرة الفيدرالي على تحقيق الاستقرار السعري.
وحمّل وارش البنك المركزي، بشكل مباشر، مسؤولية استمرار معدلات تضخم مرتفعة لمدة 65 شهرا متتاليا، قائلا إن هذه المسؤولية "تقع على عاتق البنك المركزي بالكامل، وهناك بالضبط ينبغي أن تبقى".
وسوق العمل .. إلى أين؟
اعتبر وارش أن سوق العمل الأمريكي "مستقر" عند معدل بطالة 4.1%، مع تراجع طلبات إعانة البطالة إلى قرب أدنى مستوياتها منذ عقود. وأرجع تباطؤ وتيرة التوظيف الشهرية جزئيا إلى إعادة التوافق الكبيرة بين أصحاب العمل والموظفين التي حدثت في مرحلة ما بعد الجائحة، مؤكدا أن سوق العمل بشكل عام "يتسق مع مفهوم التوظيف الكامل" رغم استمرار بعض بؤر القلق، خاصة بين خريجي الجامعات الجدد.
ما الذي يعنيه كل ما سبق للأسواق؟
الرسالة المحورية في كلمة وارش هي أن الفيدرالي بقيادته سيكون أقل ميلا للالتزام مسبقا بمسار محدد لأسعار الفائدة، وأكثر اعتمادا على قراءة البيانات لحظة بلحظة، في وقت لا يزال فيه التضخم أعلى من الهدف المعلن رغم قوة النمو الاقتصادي المدعوم بموجة استثمارات الذكاء الاصطناعي. وختم كلمته بعبارة دالة: "أقف هنا اليوم ملتزما بانضباط، لا بقرار"، في إشارة إلى نهج سيقوم على المرونة والقراءة المستمرة للمعطيات بدلا من الوعود المسبقة.
الوسوم: البنوك المركزية | الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي | كيفن وارش | التضخم | سياسة نقدية | الذكاء الاصطناعي | جاكسون هول
تقرير مشتركك مع :

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق